آخر قرار منشور في المجلة: ملف رقم 1348876 قرار بتاريخ 2021/05/19
آخر قرار منشور في الموقع الإلكتروني: ملف رقم 0945994 قرار بتاريخ 17-12-2020
آخر مجلة معروضة للبيع: العدد اﻷول لسنة 2021

أنت هنا

 

 مداخلة السيد ماموني الطاهر، الرئيس الأول للمحكمة العليا

خلال اليوم الدراسي  بعنوان " تسبيب الأحكام القضائية"

يوم 23 ديسمبر2021، بمقر المدرسة العليا للقضاء، القليعة

بســم الله الرحمـن الرحيــم
والصلاة و السلام على أشرف المرسلين
 سيدنا ونبينا محمد المصطفى الكريم
السيدات و السادة الحضور,
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته,

      إن تسبيب الأحكام و القرارات القضائية  يعد حقاً للأطراف    أو المتقاضين قبل أن يكون واجباً مهنياً للقاضي و يصنف ضمن  المبادئ و القواعد الأساسية  التي وضعها المشرع  لحسن سير جهاز القضاء أو العدالة , و الضمان الحقيقي  الذي يُلجأ إليه لتحقيق الأمن القضائي  إضافة إلى المبادئ الأخرى  المتعلقة بحماية الحقوق و الحريات في المجتمع , فكلما استقام التعليل ثبت الدليل على شرعية الحكم و القرار , وتأكد الهدف الذي يسعى إليه المشرع    والأطراف في آن واحد , وإذا حاد القاضي عن التزامه هذا, سواء  بالتقصير في تسبيبه لحكمه أو قراره أو شابهما الانعدام أو الغموض فإن مآل الحق أو الهدف  هو الزوال , و ينصرف عمل القاضي بذلك إلى التعسف و بالتالي انعدام الضمانات التي سُطرت له ضمن  واجباته المهنية .
     ومن هنا فإِنَّ حجر الزاوية و المسؤول الأول عن شرعية الحكم أو القرار هو القاضي و عليه يتعين أن يكون حاصلا على تأهيل مهني  يمكنه من الفصل في النزاع  بحق و عدل و أن يخضع للأحكام  والمبادئ و الأسس التي يبنى عليها العمل القضائي و أهمها إن لم نقل أرجحها هو أن يكون التسبيب يتماشى مع المنطق القانوني  والقضائي .
     ويعتبر تسبيب الأحكام عملاً قضائياً يتطلب احترام منهجية وقواعد معينة خاصة منها التكييف القانوني  للمسألة محل الفصل    و أن يكون هذا التكييف مؤسس بطريقة تُفضي إلى تطابق المنطوق  مع الأسباب يَسْهَل على كل من اطلع على الحكم أو القرار فهمه .
     ولقد ورد وجوب تسبيب الأحكام في الدستور في المادة 169 منه بالقول :"تعلل الأحكام و الأوامر القضائية "و تجد هذه القاعدة تطبيقاتها في القوانين الإجرائية  التي يعتمد عليها القاضي في إصدار أحكامه أو قراراته  سواء أكانت ذات طابع مدني أو جزائي , إذ نصت المادة 277 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية على أنه :
" لا يجوز النطق بالحكم إلا بعد تسبيبه  و يجب أن يسبب الحكم من حيث الوقائع و القانون و أن يشار إلى النصوص  المطبقة , وأن يتضمن ما قضى به في شكل منطوق " , كما أن المادة 379 من قانون الإجراءات الجزائية بدورها نصت على أن كل حكم يجب أن يشتمل على أسباب و منطوق و تكون الأسباب أساس  الحكم , ولم يستثني المشرع أي جهة قضائية بل  ألزم كذلك المحكمة العليا بضرورة تسبيب  أحكامها بمقتضى نص المادة 521 من قانون الإجراءات الجزائية بأن تكون  أحكامها مسببة .

       أيها الحضور الكريم ,
     إن تسبيب الأحكام كوسيلة لتحقيق الأمن القضائي لا يختلف في مضمونه بين جهة الحكم الفاصلة في الموضوع و هيئة النقض , لكن المشرع خص هذه الأخيرة باعتبارها  المُقومة لأعمال الجهات القضائية  العادية بمراقبة  مدى تطبيق القانون في سياق  ما ورد في القرارات التي يطعن فيها بالنقض و جعل من انعدام أو نقص الأسباب  وجها و سبب من أسباب النقض الذي يؤدي إلى إبطال الحكم  أو القرار محل النظر.
         وخلاصة ما يمكن أن نؤكد عليه من خلال طرح هذا الموضوع للمناقشة  و الإثراء بأن العمل القضائي كله مبني على التسبيب حتى في الحالات التي لا يشترط فيها المشرع هذا الشرط بصريح النص  مثل الأعمال الولائية , وطالما أن هذه المسألة تتعلق خصيصا بمؤهلات القاضي بالدرجة الأولى و الآليات و الإجراءات لممارسته لمهامه سيما سلطته التقديريـــــــة و الرقابـــــــــة القانونية لهيئة النقض   والالتزامات المحددة في الدستور و القوانين الوضعية المنظمة لمهنة القضاء , فإنه يقع على عاتقه  إصدار حكمه بما لا يدع مجالا للتفسير و النقد .
     أيها الزميلات و الزملاء , إن الساحة القضائية تمر و لأول مرة في تاريخها بمرحلة تأسيس  استقلاليتها الفعلية  من خلال ما سطره المشرع الدستوري  وفقا للمبادئ التي تعهد بها  رئيس الجمهورية  رئيس المجلس الأعلى للقضاء , والقاضي الأول في البلاد و المسطرة ضمن برنامج  الحكومة الذي وافق عليها ممثلوا الشعب, و اعتباراً بأن الأحكام القضائية تصدر باسم الشعب الجزائري , وأن الاتفاقيات  القضائية الدولية غايتها الأولى هو تنفيذ الأحكام و القرارات القضائية في إطار  ما يطرح من منازعات  بين الأفراد و المؤسسات المكونة لأطراف الاتفاقية فإننا مطالبون  اليوم برفع التحدي إثباتا لمصداقية العمل  القضائي و التسلح  بالعلم و المعرفة و إثراء  الاجتهاد  و العرف الوطنيين لبناء قضاء  مستقل للوصول إلى تأسيس دولة الحق و القانون .

و أخيرا لا يفوتني بهذه المناسبة أن أعبر عن جزيل شكري للذين عملوا و سهروا على تنظيم هذا اللقاء العلمي متمنيا كل النجاح لأعماله و أن تكلل المناقشات باقتراحات تفضي إلى  تحسين نوعية العمل القضائي  و الرقي به إلى المكانة التي نصبوا إليها جميعا .

 
 
وفقنا الله لبناء قضاءٍ مستقلٍ فيه خير للبلاد و العباد
و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.