آخر قرار منشور في المجلة: ملف رقم 1234323 قرار بتاريخ 13-02-2020
آخر قرار منشور في الموقع الإلكتروني: ملف رقم 1206937 قرار بتاريخ 14-01- 2021
آخر مجلة معروضة للبيع: العدد اﻷول و الثاني لسنة 2019

أنت هنا

دور الهيئات القضائية في تفعيل آلية الدفع بعدم الدستورية

 

                                                                                                                               للسيد عبد الرشيد طبي -الرئيس الأول للمحكمة العليا

                                                                                                                            مداخلة ألقاها خلال الندوة الدولية المنعقدة بالمجلس الدستوري

                                                                                         يومي 23و24 فبراير 2020 حول " حماية الحقوق والحريات"

 

بســـــم الله الرحــــــمن الرحيــــــــم

مــقـــدّمـــــة:
في 07 مارس 2019 شرع في تطبيق القانون العضوي المتضمن آلية الدفع بعدم الدستورية في الجزائر، في إطار ما يعرف بالرقابة اللاحقة على دستورية القوانين التي استحدثها الدستور في التعديل المؤرخ في 06 مارس 2016 في مادته 188 الجديدة التي أعطت لأطراف الخصومة القضائية الحق في منازعة أحكام تشريعيــة يدّعـــون بأنهـــا تخرق الحقـوق  و الحريات التي يضمنها لهم الدستــــور.

و بصدور القانون العضوي رقم 18-16 بتاريخ 02 سبتمبر2018 المحدّد لشـــــــروط و كيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية ، تم إرساء الجانب التشريعي  لآلية الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين في الجزائر.

و سنبرز في مداخلتنا هذه، الدور المنوط بالجهات القضائية في تفعيل هذه الآلية الجديدة و نستعرض بعُجالة النقاش الذي يثيره هذا الدور،هل  يساهم في تفعيل هذه الآلية لحماية  الحقوق و الحريات أم يشكل عائقا أو حائلا للرقابة الدستورية ؟

المحـــــور الأول : ضوابط و شروط الدفـــــع بعــــدم الدستوريـــة أمام القضــــاء
أقـــــــرّ المؤسّس الدستوري الجزائري، آليّة الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين تحت تسمية (الدفع بعدم الدستورية(، القانون الفرنسي مثلا سمّاها الأولوية الدستورية (QPC) .
و تتيح قراءة المادة 188 من الدستور الجزائري استخراج أهم الضوابط التي تسمح للقضاء الجزائري بالنظر في الدفع بعدم دستورية القوانين قصد إحالتها على المجلس الدستوري باعتباره المؤسسة الدستورية المكلفة بالرقابة على دستورية القوانين .

ونستعرض فيما يلي من له الحق في إثارة الدفع بعدم الدستورية ؟وكيف يثيره و أمام أي جهة يثيره ؟

أولا- مـــــــن يثيــــــــر الدفع بعـــــــــــدم الدستوريــــــــــــة ؟
نصّــت المادة 188 من الدستـــور صراحــة على حق أحد أطراف الدعوى بإثـارة الدفــع بعـــدم الدستوريــة.
و يستوي في ذلك أن يكون هذا الأخير مدعيا  أو مدعى عليه أو مدخلا  في الخصام أو من الغير الخارج عن الخصومة، بشرط توفره على الصفة و المصلحة وفقا للقواعد العامة للتقاضي، و قد يثار الدفع من المتهم أو المدعي المدني أو المسؤول المدني أو الطرف المدني، و سواء كان صاحب الدفع شخصا طبيعيا أم معنويا، كما قد يكون مواطنا أو أجنبيا، كما يثار الدفع من طرف النيابة العامة اذا كانت طرف في النزاع (نقاش).
غير انه لا يجوز للقاضي أن يثير الدفع بعدم الدستورية تلقائيا تكريسا لواجب الحياد.
ويمنع أيضا استنادا لهذا الشرط الأساسي على أشخاص أخرى غير أطراف في الدعوى أن يثيروا الدفع بعدم الدستورية.
(هناك من يرى أن النيابة العامة هي طرف في الدعوى العمومية و بالتالي يجوز لها إثارة الدفع بعدم الدستورية و على سبيل المثال : مسألة عدم جواز استئناف النيابة للأحكام الجزائية التي تساوي أو تقل عن 20.000 دج غرامة نافذة.
في حين يميل رأي ثان، لعكس هذا التوجه، و هذا بالقول أن النيابة العامة لا يجوز لها أن تثير الدفع بعدم الدستورية، لأن المادة 29 من قانون الإجراءات الجزائية تنص صراحة على أنها (أي النيابة) تباشر الدعوى العمومية باسم المجتمع و تطالب بتطبيق القانـــــون، و بذلك فإنه لا يجوز لها أن تدفع بعدم دستورية قانون ما، في حين يجوز لها إعطاء ملاحظاتها و رأيها في الدفوع بعدم الدستورية التي يثيرها أطراف الدعوى طبقا للمادة 07 من القانون العضوي رقم 18/ 16).

ثانيا- شروط الدفــــــــع بعــــــدم الدستوريــــــــة ؟
-يثار الدفع بعدم الدستورية بمناسبة منازعة معروضة أمام جهة قضائية خاضعة للنظام القضائي العادي أو النظام القضائي الإداري، و هذا ما كرّسته المادة 02 من القانون العضوي  18/16.
و بذلك، فإنه لا يقبل الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة التنازع و لا أمام المجلس الدستوري عندما ينعقد للفصل في الطعون المتعلقة بالانتخابات مثلا ، كما لا يجوز الدفع أمام جهات التحكيم و لا أمام لجان المنازعات أو مجالس التأديب.

- ونصّت المادة 188 من الدستور و تلتها المادة 02 من القانون العضوي رقم 18/16 على أن الدفع بعدم الدستورية يثار بخصوص حكم تشريعي، (disposition législative) يتوقف عليه مآل النزاع و ينتهك الحقــــوق و الحريات التي ينص عليها الدستور.
و بذلك يكون مجال الدفع بعدم الدستورية محصورا في القوانين العادية، يستثنى بذلك القوانين العضوية و كذا المعاهدات الدولية، باعتبار أن هذه الأخيرة تخضع مسبقا لرقابة المطابقة من طرف المجلس الدستوري بقوة القانون طبقا للمادة 186 من الدستور، كما أن الفقرة الأخيرة من المادة 191 من الدستور تنص على مبدأ إلزامية و نهائية آراء و قرارات المجلس الدستوري،  مما يجعل الرقابة اللاحقة للقوانين العضوية و المعاهدات الدولية بدون جـــدوى.

كما لا يجوز أيضا الدفع بعدم دستورية حكم تشريعي سبق للمجلس الدستوري أن أبدى رأيا بدستوريته في إطار رقابة لاحقة عرضت عليه،و هذا استنادا للمبدأ السالف ذكره، إلا إذا تــغيّرت الظروف عن تلك التي أعطى فيها المجلس الدستوري رأيه الأول بخصوص دستورية النص المعترض عليه، سواء بتعديل النص الدستوري أو استحداث نص دستوري يقرّ بحق معين و إما بتعديل النص التشريعي المعترض عليه بشكل يصير فيه غير مطابق للدستور، و هذا ما أقرّه المشرع في المادة 08 من القانون العضوي رقم 18/16.

كما يستثنى أيضا من مجال الدفع بعدم الدستورية، المراسيم و النصوص التنظيمية التي تصدر عن السلطة التنفيذية  وتخضع لدعوى الإلغاء أمام القضاء الإداري، في حين نرى مثلا في قوانين مقارنة أخرى  مثل القانون المصري أن قانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979 المعدّل، ينص في مادته 27 على أنه يجوز لهذه الأخيرة  أن تقضي بعدم دستورية  أي نص في قانون أو لائحة.

كما لا يجوز أيضا، إثارة الدفع بعدم الدستورية على القوانين الاستفتائية (مثل قانون السلم و المصالحة الوطنية مثلا)، لأنها قوانين تم إقرارها بعد عرضها على الاستفتاء الشعبي.

و يشترط لصحة الدفع بعدم الدستورية، أين يتوقف النزاع على القانون محل الدفع بعدم الدستورية و أن ينتهك الحقوق و الحريات التي نص عليها الدستور.
 و تبعا لذلك، إذا كان القانون محل الدفع ثانويا في النزاع المعروض على القاضي و لا تتوقف عليه الدعوى أو لا يخرق أي حق من حقوق الطالب المنصوص عليها في الدستور فلا يكون هذا الدفع جديا.

ثالثا- مراحل إثارة الدفـــــــع بعــــدم الدستوريــــــة ؟
يجوز أن يثار الدفع بعدم الدستورية في أية مرحلة كانت عليها الدعوى و لو لأول مرة أمام جهة الاستئناف أو الطعن بالنقض، على أن يقدم الدفع بمذكرة مكتوبة مسببة و منفصلة عن عرائض و مذكرات الدعوى الأصلية و ذلك تحت طائلة عدم قبول الدفع.
و تبعا لذلك، لا يجوز للمعني أن يثير الدفع ضمن عريضة افتتاح الدعوى  أو عريضة الاستئناف كما لا يجوز أن يثير الدفع بعدم الدستورية شفاهــــــة .

- إذا كانت القضية معروضة على مستوى المحكمة بالأقسام المدنية أو الجزائية أو قسم الأحداث   أو كانت الدعوى معروضة على مستوى المجلس القضائي أو المحكمة الإدارية  فإن الدفع يثار أمام القاضي أو الغرفة المعروض عليها ملف الدعوى.

-إذا كانت القضية معروضة على قاضي التحقيق أو قاضي الأحداث (التحقيق)، فإن الدفع يثار أمام هذا القاضي و يحال إلى غرفة الاتهام  للنظر فيه .

- إذا كانت الدعوى محالة أمام محكمة الجنايات، فإن الدفع يثار فقط أمام محكمة الجنايات الإستئنافية بموجب مذكرة ترفق بشهادة استئناف حكم محكمة الجنايات الابتدائية و تنظر فيه محكمة الجنايات الإستئئنافية قبل فتح باب المناقشة بدون إشــــراك المحلفين (لأنها مسألة قانونيـــــة)، و بهذا، فإن الدفع بعدم الدستورية أمام محكمة الجنايات الابتدائية غير جائز.

    
 
المحـــــور الثانــــــــي : دور القضـــــاء في تفعيــــــل آليّــــة الدفع بعدم الدستوريّـــــــــة (مبــــدأ التصفيــة)
منح المؤسّس الدستوري الحق لأطراف الدعوى إثارة الدفع بعدم دستورية حكم تشريعي يمسّ بالحقوق و الحريات المنصوص عليها في الدستور إذا كان هذا الحكم يتوقف عليه مآل النزاع، إلا أن ممارسة هذا الحق لا يكون مباشرة أمام جهة الرقابة على دستورية القوانين ، بل يخضع لمبدأ التصفية الذي تم منح صلاحيته للقضاء، بحيث أن المجلس الدستوري  يخطر بالدفع  عن طريق الإحالة من المحكمة العليا أو مجلس الدولة.

إن هذه التصفية تسمح بتلافي إرهاق المجلس الدستوري بتلقي دفوع كيدية أو تهدف إلى عرقلة سير الدعوى و تسمح للجهات القضائية بممارسة صلاحيتها في النظر في جدية الإحالة من عدمها، بعد تأكدها من توفر مجموع الشروط الواجب توفرها في الدفع لاسيما شرط الجدّيّة، و يكون ذلك على مستويين :  الجهات القضائية الدنيا (من محاكم و مجالس / أو محاكم إدارية بالنسبة للقضاء الإداري)، و الجهات القضائية العليا (المحكمــــة العليــــــــــا و مجلس الدولة)، اللذان لهما الكلمة الفصل في إقرار مدى جدية إحالة الدفع بعدم الدستورية للمجلس الدستوري من عدمه، و بالتالي فإن المؤسّس الدستوري أخد بمبدأ ثنائيـــــة التصفية DOUBLE FILTRAGE، و هو نفس المبدأ الذي أخذت به بعض القوانين المقارنة كفرنسا.

أولا- التصفية الأولى (على مستوى الجهات القضائية الدنيا):
تفصل الجهة القضائية التي عرض عليها الدفع بعدم الدستورية طبقا للمادة 07 من القانون العضوي رقم 18/16 فورا وبقرار مسبب في إرسال الدفع بعدم الدستورية إلى المحكمة العليا أو مجلس الدولة بعد استطلاع رأي النيابة العامة  أو محافظ الدولة.   
و نلاحظ هنا أنّ المشرع لم يحدّد أجلا معينا يلزم فيه الجهة القضائية بالفصل في جدية إرسال الدفع بعدم الدستورية، بل عبّر فقط عن الطابع الفوري للفصل فيه ، و في هذه الحالة تتأكد الجهة القضائية من توفر الشروط الشكلية و الموضوعية للدفع (مسألة الجدّية) و تبت فيه بقرار مسبّب بالقبول أو الرفض دون إشراك المساعدين إذا كانت المحكمة المعروض عليها هذا الدفع تضم مساعدين (القسم التجاري أو الاجتماعي مثلا).
فإذا تم رفض إرسال الدفع بعدم الدستورية، فإن الجهة القضائية المعنية تواصل الفصل  في موضوع الدعوى و لا يكون قرارها القاضي برفض إرسال الدفع قابلا لأي اعتراض منفصل عن الطعن الذي يمارس ضد الحكم الفاصل في الدعوى.
أما إذا فصلت الجهة القضائية بجدية الإرسال للمحكمة العليا أو مجلس الدولة، فيتم إرسال قراراها هذا مرفقا بعرائض و مذكرات الأطراف خلال أجل 10 أيام من صـــــدوره و يبلغ للأطراف و لا يكون حينها قابلا لأي طعن (المادة 09 من القانون العضوي 18/16)، و في هذه الحالة تتوقف مبدئيا عن الفصل في الدعــوى و ترجئ  الفصل  فيها إلى غاية فصل  الجهات المختصة في الدفع ( المحكمة العليا أو مجلس الدولة  أو المجلس الدستوري عند الاقتضاء إذا أحيل إليه الدفع من طرفهما)، غير أنه لا يترتب عن ذلك وقف سير إجراءات التحقيق، كما يمكن أيضا للجهة القضائية اتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية اللازمة.
 و استثناءا عن هذه القاعدة،  فإن الفصل بإرسال الدفع لا يوقف الفصل في الدعوى عندما يكون الشخص محروم من حريته  من أجل الدعوى  ذاتها أو في الحالات التي ينص فيها القانون على وجوب الفصل في الدعوى في خلال مدة معينة أو على سبيل الاستعجال.
و في حالة ما إذا فصلت الجهة القضائية الابتدائية في موضوع الدعوى من دون انتظار القرار المتعلق بالدفع، و تم استئناف الحكم، فإن جهة الاستئناف توقف الفصل في هذا الاستئناف إلى أن يتم الفصل في موضوع إرسال الدفع من طرف الجهة العليا و عند الاقتضاء من طرف المجلس الدستوري.
 و تتحقق  هذه الصورة  في حالة ما إذا فصلت المحكمة في الدفع بإرساله إلى الجهة الأعلى غير أنها لم ترجئ الفصل في موضوع الدعوى بسبب توافر حالة من الحالات التي يوجب فيها القانون عدم الإرجاء، لكنها بعد فصل المحكمة في الدعوى  و وقوع استئناف في حكمها تتغير الظروف التي استوجبت استعجال الفصل و عدم الإرجاء مثل أن تقضي المحكمة بالحبس مع وقف التنفيذ ، فإن  جهة الاستئناف المعروض عليها الملف تتوقف عن الفصل فيه إلى غاية الفصل في الدفع بعدم الدستورية.
و إذا انقضت الدعوى التي أثير الدفع بعدم الدستورية بمناسبتها، فإن ذلك لا يؤثر على الفصل في الدفع بعدم الدستورية من طرف المجلس الدستوري إذا تم إحالته عليه. و لا يؤثر قراره بعدم دستورية الحكم التشريعي حينذاك على النزاع استنادا لمبدأ قوة الشيء المقضي فيه التي تحصّن الحكم القضائي. فقوة الشيء المقضي فيه تشكل ردا على التساؤل الذي  يثار حول الحكم الذي يقضي بالإدانة التي تؤسس على حكم تشريعي قضى المجلس الدستوري لاحقا بعدم دستوريته.

ثانيا- التصفية الثانية (مستوى المحكمة العليا أو مجلس الدولة) :
 تعتبر ترتيبات التصفية التي يتولاها كل من مجلس الدولة  و المحكمة العليا ذات أهمية لضمان تقاسم فعّال للمهام، كونها تضمن الانسجام  بين درجات التقاضي التابعة لهـــــا و تتيح أيضا إمكانية إشراك هاتين الجهتين القضائيتين في إعداد الاجتهاد القضائي للمجلس الدستوري   و ذلك ضمن احترام الصلاحيات الحصرية لهذا الأخير.

و لهذا الغرض تؤسّس هيئة على مستوى المحكمة العليا و مجلس الدولة للفصل في جدية إرسال الدفع بعدم الدستورية للمجلس الدستوري من عدمه يرأسها الرئيس الأول للمحكمة العليا أو رئيس مجلس الدولة و عند  تعذّر ذلك من نائب الرئيس و تتشكل من رئيس الغرفة المعنية بموضوع الدفع و ثلاثة مستشارين يعينهم رئيس الجهة القضائية (المادتين 15 و 16 من القانون العضوي رقم 18/16).

تفصل المحكمة العليا أو مجلس الدولة في إرسال الدفع بعدم الدستورية بعدة طرق نذكرها كالتالي:

1/ عن طريق الدفع أمامها باعتبارها قاضي موضوع : و هي الحالة الغالبة على مستوى مجلس الدولة باعتباره جهة تنظر في استئناف القرارات الصادرة  عن المحاكم الإدارية أو باعتباره جهـــــــة تفصــــــــــل كأول و آخر درجة في دعوى الإلغاء و التفسير و تقدير مشروعية القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية المركزية و ذلك في الحالات التي ينص عليها القانون .
أما بالنسبة للمحكمة العليا فنادرا ما تكون جهة تفصل كقاضي موضوع إلا في حالات محددة و من أمثلة ذلك دعاوى الفصل في طلبات التعويض عن الحبس المؤقت غير المبرّر أو بمناسبة التحقيق في القضايا الجزائية  المتبعة ضد الأشخاص الذين يتمتعون بامتياز التقاضي ( الوزراء - الولاة - بعض أصناف من القضاة).

2/ بمناسبة ممارسة حق الطعن المقرر قانونا في أحكام و قرارات المحاكم و المجـــــــالس و أحكام المحاكم الإدارية.

3/ عن طريق إرسال الدفع بعدم الدستورية إليها من الجهات القضائية الدنيا (المحاكم أو المجالس أو المحاكم الإدارية) التي رأت أن الإرسال جدّي.

و تختلف آثار الفصل في  الدفع بعدم الدستورية من طرف المحكمة العليا أو مجلس الدولة  بحسب طرق اتصالها بالدفع :
•    فإذا كانت تفصل باعتبارها قاضي موضوع فتخضع لما يخضع له قاضي الجهة القضائية الدنيا.
•    أما إذا كانت تفصل باعتبارها قاضي قانون و يثار الدفع أمامها  لأول مرة أو بطريق الاعتراض على قرار أو حكم برفض الدفع فيحال الدفع أمام الهيئة المختصة بالمحكمة العليا أو مجلس الدولة للفصل في الدفع على سبيل الأولوية.
•    أما إذا كانت تفصل باعتبارها هيئة الفصل بعد إرسال الدفع إليها من طرف الجهات القضائية الدنيا التي رأت أن إرسال الدفع جدي، فإنها تفصل إما برفض إحالة الدفع أمام المجلس الدستوري  أو بقبوله.
و في الحالتين الأخيرتين يتعين على الهيئة المكلفة بالفصل في الدفع بعدم الدستورية بالمحكمة العليا  أو مجلس الدولة أن تفصل في هذا الدفع  خلال مدة شهرين من تاريخ توصلها بالدفع أو بقرار إرسال الدفع (المادة 13 من القانون العضوي رقم 18/16).
و يلاحظ إذن بالنسبة لنظام التصفية الثنانية أن دراسة الدفع بعدم الدستورية تمر على مرحلتين :
- المرحلة الأولى : على مستوى المحكمة و المجلس أو المحكمة الإدارية (بالنسبة للقضاء الإداري)، و تكون غالبا مرنة، بحيث  يراقب فيها القاضي بالدرجة الأولى ما إذا كان الدفع المثار يهدف إلى مماطلة الفصل في الدعوى الأصلية .
صحيح ان القاضي يتحقق من شروط الدفع بعدم الدستورية الشكلية و الموضوعية ، لكن تركيزه ينصب في الأساس على مراقبة الطابع الجدي للمسألة.

- المرحلة الثانية :على مستوى المحكمة العليا و مجلس الدولة، و هي القناة التي بها يحال الدفع للمجلس الدستوري، و بذلك، لا يستساغ أن تكون هذه المحطة مرحلة صورية و إلا لكان المشرع استغنى عنها، بل بالعكس تكون فيها الرقابة أكثر تشددا باعتبار أن جهة الحكم العليا (المحكمة العليا و مجلس الدولة) هي الفاصل الأساسي و النهائي في جدية الدفع و مدى توفر باقي الشروط الأخرى لتقرير إرسال الدفع للمجلس الدستوري من عدمه.

و في هذا السياق، يذهب الفقه المقارن إلى اعتبار الدفع بعدم الدستورية غير جدي إذا لم تتوفر أحد الشروط الموضوعية كأن لا يتعلّق الدفع بالحقوق و الحريات المضمونة دستوريا أو أنه تتم المنازعة في نص تشريعي سبق أن أبدى المجلس الدستوري رأيه فيه.

 بينما يذهب البعض إلى اعتبار انه إذا وقع للقاضي احتمال أو شك أن القانون المعترض عليه ينتهك أحد الحقوق و الحريات التي يضمنها الدستور فإنه يعتبر دفعا جديا كما ذهب البعض الآخر إلى أن الجدية تستمد من استبعاد الدفوع الكيدية التي تبين بوضوح أنها تستهدف تعطيل الدعوى أو عندما تثار ضد نص تشريعي لا ينطبق على الواقعة  موضوع الدعوى أصلا.
 
و يتحقق شرط الجدية بتوافر شرطيـــن :

الأول : يتمثل في معرفة ما إذا كانت القضية الأصلية تتضمن  فعلا مسألة دستورية يتوقف عليها فضّ النزاع، فمن الوارد جدا أن تكون هناك رغبة في إثارة مسألة دستورية في حين أنها إما غير موجودة أصلا أو وهمية و في هذه الحالة يتحول الدفع إلى وسيلة هدفها  المماطلة و التأخير في إجراءات سير الدعوى، لذلك من الضروري أن تكون مسألة الدستورية مطروحة بشكل دقيق و هو ما يسمح بإزاحة الدفوع التي ترمي فعلا إلى المماطلة.

الثاني : يتمثل في التساؤل عما إذا كان الحكم الدستوري المحتج به من شأنه أن يثير شكوكا حول طريقة الفصل في النزاع. و هنا يجب أن يواجه القاضي بين النص الدستوري المثــــار و الحكم التشريعي المنازع فيه ليتأكد أن المسألة المطروحة مؤسسة على مبررات جدية.
          
و استنادا لهذا، يمكن القول أن الجدوى من تحديد شرط تعلق الدفع بجوهر النزاع من عدمه يهدف إلى ترشيد سبل استعمال الدفع بعدم الدستورية من طرف الخصوم.

 و يعتبر شرط الجدية هو الفيصل بين معارضي  نظرية التصفية و مؤيديها، فكلما تشدّد القضاة في فكرة الجدية، نادى معارضو فكرة التصفية إلى نزع الرقابة القضائية على الدفع بعدم الدستورية و السماح حينها للمواطنين باللجوء مباشرة أمام المحكمة الدستورية لإثارة الدفع أمامها، لذلك فإنهم يطالبون من القضاء أن يكون مرنا في مسألة الجدية حتى يمكن المتقاضين من الولوج إلى المجلس الدستوري، و المهم في نظرهم وضع نظام تصفية يكرّس مرونة شرط الجدية على نحو لا يجعل القضاء عائقا أمام آلية الرقابة على دستورية القوانين، و إلا فإن ذلك لن يأتي حسبهم بأي نتائج إيجابية بدليل قلة الدفوع المرسلة للمجلس الدستوري بسبب التصفية القضائية المسبقة.

أما في الأنظمة التي تأخذ بالإحالة المباشرة على المحكمة الدستورية (كالقانون الإسباني مثلا)، فإن النصوص القانونية التي تكون محل الدفع بعدم الدستورية لا تقتصر على التشريع و إنما تتعداه إلى كل فعل برلماني أو فعل تنظيمي أو قضائي.
فإذا كان الدفع جديا أحاله على المحكمة الدستورية للبت فيه، بل و يجوز للقاضي  أن يثير الدفع من تلقاء نفسه و يأمر بإحالته على المحكمة الدستورية و لو لم يطلبه أطراف الدعوى، بمعنى آخر، إذا كان الدفع بعدم الدستورية في النظامين الجزائري و الفرنسي منح كسلاح في يد المتقاضي فقط ، فإنه في النظام الإسباني منح كسلاح في يد المتقاضي و القاضي معا، لكن في كل الأحوال، فإن دور القاضي هو الأبرز لأنه هو من يقرر إحالة الدفع من عدمه.

أما في مصر مثلا، فقانون المحكمة الدستورية العليا نصّ في مادته 29 على أنه إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة.
كما سمحت نفس المادة  لأحد الخصوم أثناء نظر دعوى أن يدفع أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة و إذا رأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدّي أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن.

 
المحـــــور الثالث : تقييم دور القضاء في تفعيل آلية الدفع بعدم الدستورية   
أثير الإشكال بخصوص مسألة اختصاص القضاء في الرقابة الدستورية وفقا لنظام التصفية الذي أخذ به المؤسس الدستوري الجزائري، بأن الإجراءات القضائية المعقــــــــــدة و طول مدتها تعرقل الرقابة الدستورية، كما أن من شأن هذا النظام أن يؤدي  نظريا إلى إغراق الجهات القضائية العليا (المحكمة العليا و مجلس الدولة ) بقضايا الدفع بعدم الدستورية باعتبارها جهة تصفية ثانية و قناة تمرير للمجلس الدستوري، لذلك فإن أصحاب هذا الطرح يقترحون تمكين المواطن من اللجوء مباشرة إلى المجلس الدستوري وفق آليات مرنة تمكنه من الوصول إلى حماية حقه أو حريته و هو المغزى المنشود من وراء استحداث الدفع بعدم الدستورية في الدستور و هذا هو النظام الذي يمكن المجلس الدستوري من أداء مهمته الأساسية في الرقابة على دستورية القوانين.

إلا أن مؤيدي الطرح المعتمد وفقا للنموذجين الجزائري و الفرنسي (نظام التصفية الثنائية)  يرون بأن هذا النظام يؤدي إلى تفادي اكتظاظ القضايا أمام المجلس الدستوري مما يمكن هذا الأخير من  التفرغ لعمله الجوهري المتمثل في مراقبة دستورية القوانين، و هو ما ينعكس إيجابا على تحسّن نوعية الدخول إلى القضاء الدستوري بتخلصه من الدفوع غير الجدية التي يتم توقيفها على مستوى القضاء.

إن الدفع بعدم دستورية القوانين أداة وضعها الدستور في يد المتقاضي تمكّنه من فرض حقوقه و حرياته الأساسية في محراب العدالة عن طريق المنازعة في نص تشريعي متى رأى أنه يتعارض مع هذه الحقوق و الحريات، غير أن تحقيق هذا الهدف لا يتأثر إلا بالتفاعل الإيجابي لأطراف المعادلة التي نظمها القانون العضوي الذي يحدد شروط و كيفيات تطبيق الدفع بعدم الدستورية و المتمثلة في المتقاضي و دفاعه (من جهة) و القاضي الذي يقدم أمامه الدفع (من جهة أخرى) .

و في هذا السياق، و في الوقت الذي كان ينتظر فيه الكثير منا الإفراط في اللجوء إلى الدفع بعدم الدستورية كأسلوب تماطلي لعرقلة السير في المنازعات القضائية، نعاين اليوم بعد مرور سنة تقريبا على دخوله حيز التطبيق ضعف عدد الدفوع المرفوعة، مما يدعونا إلى التساؤل عن أسبابه بغية إيجاد الحلول المناسبة لتفعيله.
 
فعلى مستوى المحكمة العليا، سجلنا ورود 16 دفع بعدم الدستورية، 03 منها أحيلت على المجلس الدستوري تتعلق أساسا بالمادتين 416 فقرة 1 من قانون الإجراءات الجزائية (عدم جواز استئناف الأحكام الجزائية المتضمنة غرامة تساوي أو تقل عن 20.000 دج)، و المادة 496 نقطة 06 من نفس القانون (عدم جواز الطعن بالنقض في القرارات القاضية بغرامة تساوي أو تقل عن 50.000  بالنسبة للشخص الطبيعي و 200.000 دج بالنسبة للشخص المعنوي)، بينما عرض دفع واحد على مجلس الدولة و تم رفض إرساله للمجلس الدستوري.

و من باب  المقارنة، نجد انه خلال السنة  الأولى من صدور القانون 2009-1523 المتضمن تطبيق نظام الدفع بالأولوية الدستورية QPC بفرنسا، فقد أصدرت محكمة النقض و مجلس الدولة الفرنسيين 527 قرارا في الموضوع ، من بينها إحالة 124 دفع و مقارنة عدد الدفوع المحالة بعدد الدفوع غير المحالة (403) فقد اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أن نظام التصفية المعتمد من طرف المؤسس الدستوري الفرنسي تشكل عائقا أمام ولوج المواطن الفرنسي إلى القضاء الدستوري.

 

     الخاتــــمة:
إن تفعيل دور القضاء في مجال الرقابة الدستورية متوقف على النظام الذي يتم اعتماده للفصل في الدفع بعدم الدستورية ، بحيث يكون ضيقا  و متشددا في النظام  القائم على التصفية المزدوجة كما هو معمول به في الجزائر و فرنسا، بينما يكون هذا الدور مــــــــرنا و واسعا في النظام القائم على الإحالة المباشرة كما هو الحال في إسبانيا .

  إن دور القضاء في حماية الحقوق و الحريات سيتعزز أكثر إذا كان أكثر تجانسا على نحو يساهم به في إنجاح مسعى المؤسس الدستوري، كما أن انخراط أسرة الدفاع في هذا المسعى باعتبار أن مهنتهم الأساسية في الدفاع عن حقوق الإنسان و حرياته سيشكل مساهمة كبيرة في تطهير المنظومة القانونية من الأحكام التشريعية التي تنتهـــــــــك الحقوق و الحريات المكرسة دستوريا.

        شكرا على حسن إصغائكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.